أخبار مركز تريم و عبد الله عمران للتدريب

حمدي قنديل يفتح نوافذ الحرية في مركز تريم عمران: مسؤولية الإعلامي تكمن في حرصه على أمن الأمة لا أمن السلطة

صحيفة الخليج
متابعة: جيهان شعيب

لم تأت جرأة الإعلامي المتميز حمدي قنديل على حساب تجاوز الحدود في القول الموضوعي والمنطقي المباح، ولم تكن تجربته المهنية بقصيرة أو سطحية ليسردها في أسطر قليلة وفي زمن لا يتعدى ساعات معدودة، ومع ذلك فقد استخدم ذاكرته اليقظة وكلماته الموزونة في استحضار أهم تفاصيلها ليطرحها على حضور محاضرته التي نظمها مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي مساء أمس الأول تحت عنوان العمل الإعلامي بين الحرية والمسؤولية، فنفذ الى القلوب كما هو نافذ الى الآذان من خلال مواقفه الصلبة تجاه الهموم التي يعاني منها الشعب العربي إجمالاً، والقضايا المختلفة المطروحة على ساحته، وكان سلاح قنديل في المواجهة دوماً كلمة صادقة، وصوتاً لا يرتجف، وشجاعة تساندها الحقيقة بلا زيف.وأكد أن الدورات التي ينظمها مركز تريم من هذا القبيل لا بد أن تكون ذات توجه عملي قدر الإمكان، لأنها ليست محاضرة أكاديمية، وخبرتي في الأساس عملية، ورغم أني درست في قسم الصحافة في كلية الآداب جامعة القاهرة لمدة أربع سنوات، إلا أنني لم أكن أدخل الجامعة طيلة تلك الفترة، إلا لحضور الامتحانات، وللعب الهوكي في فريق الجامعة، وللمشاركة في المظاهرات الطلابية، ولم تكن الكليات في ذات الوقت ككليات الإعلام حالياً، كما لم تكن الشهادات أيضاً كالحالية، ولم يكن هناك معمل تصوير أو استوديو في الكلية، وبشكل عام لم تكن دراسة الإعلام في ذاك الوقت مشوقة أو مفيدة كما هي حالياً.

أضاف قنديل: عملت بالصحافة منذ أيام الدراسة وسأوجه كلمتي لشباب الصحافيين قبل غيرهم، سأعرض بعض تجاربي التي يمكن الاستفادة منها. في البداية كنت أبحث عن كلية تسهل الدراسة فيها لأحصل على شهادة منها أتزوج بها، وأجريت استفتاءً بين أصدقائي من الكليات فقالوا لي إن الصحافة هي أفضل كلية بالنسبة لي، لأني قبلاً كنت أدرس في كلية العلوم لمدة عام، ومن ثم درست الطب لمدة ثلاث سنوات، وكنا في كلية الطب نصدر مجلة اتحاد الطلبة التي صودرت لاحقاً، فيما كان يرأسنا في المجلة مدرس شاب يقربنا عمراً، وأول مرة أواجه موضوع الحرية والمسؤولية كان في هذه المجلة عندما كتبنا نقداً لنظام التدريس في الجامعة، ولم يكن ذلك بمسموح كما هو حالياً.

وواصل: أما الجرأة التي أتناول بها الموضوعات في برنامجي قلم رصاص فناتجة عن الظروف التي أعمل فيها، حيث أتاح لي مسؤولو الحكم حرية لكونهم على دراية وتفهم بالإعلام حالياً، ومقياس النجاح يأتي من التنافس الكبير في ضوء العدد المتزايد من القنوات التلفزيونية والبالغ 470 قناة فما فوق، فالنجاح مرجعه القدر الكبير من الحرية المتاحة طالما تتم ممارستها بمسؤولية، أما تكييف الحرية والمسؤولية فشيء دقيق للغاية، فالمسؤولية هي مسؤولية الواحد منا أولاً مع نفسه، بمعنى أن يكون صادقاً مع ذاته، ومع مؤسسته، مع حرصه على بلده وأمان أمته، وليس الحرص على أمان السلطة والموجودين فيها.

وتابع: مواهب الصحافيين لا بد أن تظهر مبكراً، وقد ظهرت لديّ وأنا طالب في المرحلة الثانوية، وأدعوكم عند اكتشاف أي صحافي جديد أن يكون ذلك مبكراً، وفي فترات أولى من حياته، وهذا يتضح من خلال تميزه أو إجادته اللغة وهو على مقاعد الدراسة الجامعية مثلاً، أو انضمامه لجماعة ثقافية أو اجتماعية الى جانب الدراسة، أو حين ممارسته لأي نشاط آخر، وكذا عند إيجابيته في التفاعل خلال المحاضرات وخلافه من نشاطه وحيويته، ولقد كان جمال بدوي المتحدث التلفزيوني الرائع الذي فقدناه كثيراً زميلي في المدرسة، وكان يصدر مجلة اسمها الفجر على حسابه الخاص ويطبعها على أوراق، وحينها أردت الانضمام إليه للوقوف على ما يفعله، وكنت عضواً نشيطاً بشكل عام، وكنا ندرس في مدينة طنطا في مدرسة طنطا الثانوية التي كانت تحتوي على ملاعب بمقاييس دولية، إضافة الى مطعم، وكان مديرها نجيب بك دميان قوي الشخصية وفي الوقت ذاته يتمتع بالحنو، وكنا نقضي يومي الخميس والجمعة في القرى القريبة من بلدتنا، ونذهب الى مصانع الغزل والنسيج في بلده المحلة الكبرى القريبة منا، وكان أمام سكني ناد يسمى إعداد الجيل أنشأه طبيب من سكان طنطا اسمه د. أحمد عبدالله. كان هذا الطبيب قد أمضى الجزء الأكبر من عمره في ألمانيا، ومن ثم وعندما بلغ الستين من عمره، قرر العودة الى طنطا وإنشاء ناد بالمبلغ الذي وفره من سفره، وبالفعل ففي هذا النادي تعلمنا كافة الرياضات الممكنة، وكان لدينا رائد يعطينا أسبوعياً كتاباً ويناقشه معنا في الأسبوع التالي، وهكذا.

الرعاية الاجتماعية

وأكمل: لفت نظري في وقت من الأوقات أن هناك شاباً كان يكبرنا سناً بثلاث أو أربع سنوات، كان يختفي حيناً ليعود للظهور، وكان أنيقاً الى حد كبير وعلمنا وقتها أنه كان يتعرض للاعتقال لكونه شيوعياً، فرويت لوالدي ذلك فكان يناقشني ويحرضني، ويوضح لي أن الشيوعية هي العدالة الاجتماعية التي وردت في القرآن، وكان الرائد الذي يشرف علي واسمه المهندس ابراهيم مصطفى يعلمني أدياناً مختلفة، ويصطحبني في جولات كشافة نخرج فيها إلى الصحراء، لذا فلم أنشأ من فراغ، وليست لدى عبقرية شخصية إنما لا بد أن يحاط الفرد بمجتمع يرعى الناس ليحقق النجاح، خصوصاً الشباب الذين هم في مقتبل العمر والقادرون على انجاز العديد من الأشياء، واعود ثانية بالذاكرة إلى الوراء، ففي عام 1949 وأنا في طنطا كانت هناك جريدة باسم الاخلاص وصاحبها يدعى محمد عبدالسلام شتا، وكانت جريدة محلية تنشر الاحداث الحياتية البسيطة لأهالي المدينة فإذا انجبت زوجة مدير المدرسة ذكراً تنشر الجريدة الخبر في اليوم التالي على الصفحة الأولى وهكذا. المهم أني ذهبت لصاحب الجريدة التي كنت مبهوراً إلى حد بعيد بها، واعربت له عن رغبتي في العمل فيها، وكان عمري وقتها 15 عاماً، فرحب بي، وسألني عن نوعية كارنيه العضوية فيها الذي أريده وما إذا كان عاديا بجنيهين أم مخصوصاً بأربعة جنيهات، والحقيقة الجريدة بالنسبة له كانت وسيلة للعيش وكنت سعيداً جداً بالكارنيه الذي حصلت عليه المغلف بجلد اخضر، وكان مدوناً بداخله أني صحافي، وشعرت بالفخر والاعتزاز بذاتي وبالمهنة، وكنت أدخل بالكارنيه شاطئ سيدي بشر في الاسكندرية من دون دفع رسومه المحددة بخمسة قروش، لكن بعد مرور عدة أشهر لم أتصور أن مهنة الصحافة تنحصر في حمل كارنيه اخضر ودخول شاطئ مجاناً، عرفت ان هناك شيئاً أهم وأرقى من ذلك وراء المهنة.

واستطرد: في ذاك الوقت كانت هناك معركة في البرلمان، بعدما رصدت الحكومة المصرية مليون جنيه لترميم يخت المحروسة، مما أثار استياء عدد كبير من المعارضة، وكان هناك نائب يدعى مصطفى مرعي شن حملة ضد ترميم اليخت، فاستثار ذلك في داخلي وللمرة الأولى احساساً بأن هناك هماً أكبر من الدائرة الضيقة التي أعيش فيها في بلدتي طنطا، فكتبت مقالاً في هذا الخصوص، وتسللت ليلاً إلى المطبعة وارفقت المقال وانتظرته إلى ان طبع، وفي اليوم التالي حدثت مأساة كبرى في البيت، ولدى صاحب الجريدة، فتم اغلاقها، مما زاد من حماستي للعمل الصحافي، والثمن الذي يدفعه الفرد إذا قال رأيه، ومن ثم استقلت عقب ذلك، والتحقت بالجامعة وفي كلية الطب كنا نصدر مجلة الكلية ونطبعها في اخبار اليوم، ويوماً وأنا مع صديقي مسعود مسعود، وصبري ايوب في صالون الاخبار، مر علينا كل من الكاتبين الكبيرين مصطفى وعلي أمين وهما أصحاب الجريدة، وسلما علينا وأعطيا تعليماتهما للعاملين، ومن ثم وفي احد الايام التفت لي الكاتب الكبير الراحل مصطفى أمين وسألني: تشتغل معانا فدهشت ورددت بسرعة يا ريت فقال لي: لن أشغلك إلا عندما تنجح، وبالفعل وبعد ظهور النتيجة، توجهت على الفور إلى مكتب الكاتب الكبير مصطفى امين في الساعة السابعة صباحاً لأعلمه بنجاحي، ودخلت بعد خمس دقائق فقط، فقد كان الكبار كباراً في كل شيء، كانوا يهتمون بالشباب ويساعدونهم، ويقفون إلى جانبهم.

واستمر: وبالفعل اصدر الكاتب الكبير مصطفى امين قراراً بتعييني بخمسة عشر جنيهاً في مجلة آخر ساعة، وابلوغني اني سأكون مسؤولاً عن باب يسمى انت تكتب ونحن ندفع، وظللت لمدة أربعة أو خمسة أيام أسهر ليلا لتنظيم الخطابات التي ترد للباب التي لم تكن كذلك سابقاً، وطلبت من عامل المكان السهر معي ليلاً لترك المكان مفتوحاً لي لانجاز العمل مقابل 50 قرشاً كل ليلة، لأكتشف في نهاية الشهر أني اعطيه راتبي كاملاً، ومن ثم وعقب شهرين خفّت وتيرتي قليلا وطلب مني مصطفى امين ان اكتب باب الحظ، الذي لا أؤمن به حالياً لأني كنت احرره بنفسي، واكتشفوا جمال اسلوبي فطلبوا مني مراجعة صفحات المجتمع التي كان يحررها عمالقة، فامتعضوا من أن شابا صغيرا كلف باعادة الصياغة، إلى أن اكتشفوا ان صياغتي جيدة، فتعهد أحدهم وهو قديم في المهنة ان يسدد لي مشروباتي اليومية بالكامل تكفيراً عن المعاملة السيئة التي قابلني بها بداية، وهكذا، والحقيقة فإتقاني للغة العربية يرجع إلى أن والدي كان استاذاً للعربية، وكان بمثابة عماد أساسي من أعمدة اهتمامي باللغة، وايضاً كان يحرص صيفياً على اعطائي 50 جنيهاً استرلينينياً لأذهب في رحلة بالبحر مع عدد من الأصدقاء إلى أوروبا لمدة شهر، وكان ينبهني بألا أعود قبل انتهاء الشهر، لذا تنقلت كثيراً وشاهدت الدنيا، وطيلة دراستي الجامعية كنت أسافر إلى الخارج واعيش مع الناس، فتفتح ذهني وفكري والأصل ان ندفع أولادنا إلى ذلك لنصبح أكثر تقبلاً للآخر، فالتفتح هو استيعاب الثقافات الأخرى، والاستماع للآخر، ومقابلة الطرف الآخر ايضاً، ولقد اتيح لي ايضاً العيش لمدة عشر سنوات في باريس لعملي في اليونسكو.

وصفة النجاح

واكمل: وصفة النجاح الأولى تكمن في الاستيقاظ مبكراً، فقد سئل يوماً سياسي ياباني فاز في انتخابات جرت في اليابان منذ عشرين عاماً، عن السبب في فوزه، فقال لأني كنت استيقظ مبكراً ساعة عن منافسي، لذا فلا أفهم حتى اليوم العقيدة الراسخة لدى المبدعين في أن الابداع لا يحدث إلا في انصاص الليالي!.

فأنا شخصياً عندما اكتب يأتيني الوحي صباحاً وأنا على مكتبي وليس بعد منتصف الليل، وكذلك فمن تجربتي أن سبب النجاح يتركز في عبارة من جد وجد التي كانت تدون على الدفاتر المدرسية، فإذا اخذ الفرد حياته العملية بجدية، ومارس عمله ايضاً بجدية وخاطر وغامر فسينجح بلا شك ومن ذلك عندما عملت في التلفزيون المصري كمراسل حربي في أوائل الستينات، وذهبت لليمن عام 1963 ومكثت فيها ستة أشهر، وعشت كالجنود، وخاطرت مثلهم، وكذا حينما ذهبت للجزائر وقت اندلاع ثورتها، وذهبنا للجزائر العاصمة على عربة نقل تحمل بطيخاً وجلسنا فوقه، وايضاً عندما اندلعت الثورة في بغداد 1963 على حكم عبدالكريم قاسم كنت في اليوم الثالث لقيامها هناك، وإلى غير ذلك، والحقيقة لقد مارسنا حياتنا بجدية، ولم نولد في استوديو، أو نجوماً.

وعاد للقول: في ذاك الوقت كنت أعمل محرراً في جريدة الاخبار، وكنا نبذل جهداً كبيراً، وندقق على كل شيء، وهذا ما جعلنا محررين، ومن ثم سكرتارية تحرير فمذيعين، وعموماً لم يعمل معي أحد بكارت توصية، أو مكالمة هاتفية، وإنما أرحب بمن يدق على الباب مباشرة ويقدم لي نفسه، ولا بد أن يمارس الفرد عمله على محمل من الجد إلى جانب بعض المغامرة المحسوبة بقدر الامكان، أو قدر قليل مما يميز به نفسه عن أقرانه، فتسمية مهنة الصحافة بمهنة البحث عن المتاعب، ليست فيها مبالغة بل تستدعي بعض المغامرة، وان يقول الفرد رأيه، وقضيتنا الأولى اثبات وترسيخ انفسنا، ونيل مكانة جيدة، وعدم تحميل أنفسنا بمواقف منذ البداية، لا بد أن نكون أولاً صحافيين جيدين ومن ثم يمكننا كتابة أعمدة لاحقاً، يكون لنا فيها جمهور، يعقبها اتخاذ مواقف، فحالياً استطيع اتخاذ موقف ليس فيه حياد، لأنه أتيح لي أن يكون لي برنامج فيه كلمة لي، وتعليق، فليس هناك حياد في الاعلام بل في الأخبار، وبصراحة فمحطات التلفزيون اللبنانية أخذتها الطوائف المختلفة، وكل أصبح له تلفزيونه، والمؤسف نشرات الأخبار اللبنانية، إذ تبدأ بموضوع انشائي يمثل الحزب أو الطائفة التي تتبعها القناة ومن ثم تعليق على الموقف، فالأخبار لاحقاً، والمفترض ان تذاع الأخبار كما هي، ويأتي التعليق بعد انتهاء النشرة، وبقدر ما يمكن في البرامج التلفزيونية، لا بد أن يكون السؤال قصيراً ليأخذ الضيف أكبر حيز من الزمن.

بعد ذلك فتح باب الحوار، وطرح عدد من الحضور مجموعة من الاسئلة المهمة والموضوعية، أجاب عنها قنديل، بالتالي: الاعلام لا يرجع إلى الوراء، لأن هناك فرقاً كبيراً حالياً بينه وبين ما كان منه سابقاً، فقد تحسن كثيراً عن السابق ليس بسبب الاعلاميين أو السلطات، وإنما لسبب خارج من إرادتنا جميعاً وهو تقدم التكنولوجيا، ولأنه أتاح قدراً أكبر من الحرية، حيث لا نستطيع القول بأن الاعلام تقدم إلا حينما تكون هناك حريات أكبر، وحالياً هي كذلك للتنافس الملحوظ بين الفضائيات التي تلعب دوراً كبيراً في تقريب الجميع من فهم اللهجات المختلفة، والطرب لأغاني الجميع، والضحك لسخرية بعضنا بعضاً، وإلى غير ذلك، لذا فقد حدث تقدم كبير في الاعلام، لأنه يحقق رسالة قومية ولديه قدر أكبر من الحرية بسبب التكنولوجيا، إذ لم تمنح الحكومات الحرية، ولم نستطع بأنفسنا تحقيق الكثير فيها، والاعلام بشكل عام يتقدم، والصحافي اليوم دارس وواع ويدري بكامل تفاصيل الحياة، ولا بد أن نفرق بين قنوات الترفيه والاعلام السياسي والاخباري، وللأسف كنا نتوقع أن تحدِث التكنولوجيا منافسة وستؤدي إلى ما هو أرقى، لكن في الواقع استخدم البعض المنافسة، فهناك مشكلة كبيرة في الاعلام، المعادلة هي الاعلام الجاذب الجذاب، وهذه معضلة الاعلام الصعبة، لأن الذين يعملون فيه يلجأون إلى أمر آخر وهو الاثارة، القنوات في حاجة إلى ضبط أكبر، وهذا يأتي من أبناء المهنة أو الحكومات التي لا تبالي كثيراً بذلك، رغم كل القوانين المحلية التي من الممكن ان تستخدمها الحكومات لهذا الغرض، إلا أنها تستخدمها في اغلاق عيادة دجال مثلاً يعمل تحت ستار انه طبيب، بينما لا تستخدمها في اغلاق محطة تلفزيونية تقدم دجلاً على طول الخط، السلطة غير معنية بتطبيق قوانينها ضد القنوات التي يجب اغلاقها.

ومن ردوده أيضاً: وثيقة تنظيم الفضائيات تعتبر فضيحة للاعلام العربي، فلم نر حتى الآن قناة أغلقت بحكم هذه الوثيقة، فيما تم منع إرسال قناة الحكمة في مصر لتناولها شأنها عاماً تمنع السلطات المصرية تناوله، لذا فالمجتمع المدني عليه السعي لضبط القنوات بعدما تراجعت الحكومات عن تنفيذ هذا الاجراء، ولا يملك العاملون ذلك والذين يعملون لدى مقاولي الفضاء الذين أطلقوا القنوات، وعلى شركات ومؤسسات الاتصال محاولة منع الرسائل النصية وإلى غيره.

وكذا من ردود قنديل: الاعلام حالياً حكومي، والاعلام المدني المسموح في معظمه اعلام حكومي، ولا يوجد اعلام مستقل، بل اعلام حكومي وخاص، وكلاهما بتمويل حكومي في النهاية، ومعظم القنوات الكبرى في الوطن العربي ممولة بوساطة الحكومات تحت ستار رجال الأعمال، والحكومات هي التي تدير الاعلام كله من وراء الستار.

ومما قاله: كنت أفضل حين كنت أعمل في التلفزيون المصري، أن تكون هناك رقابة معلنة وصريحة، حتى أقف على أولها من آخرها، ولا تكون هناك رقابة ذاتية لأن الفرد يتنازل كثيراً، تمنيت أن أجد أمامي خطاً أحمر لأقفز عليه لأنه من الضروري للصحافي أن يتجاوزه بخطوة، لكن ان تركتني في الرقابة الذاتية فكأنك تركتني في غرفة غير مضاءة وطلبت مني مقاتلة شبح لا أراه. في التلفزيون المصري كانت هناك رقابة إلى حد ما، وفي بعض الأحيان كانت تحدث مساومات، إلا أنني لم أكن أتحدث على الاطلاق في حياتي بما يخالف ضميري، لذا لا بد أن تكون أمامنا رقابة صريحة نستطيع مناقشتها والاحتجاج عليها وخلافه، ولا بد أن ندافع عن القضايا التي نعتقد انها حق.

ومن إجاباته: الصحافي وأي مبدع لا بد أن يكون مشاغباً أي محرضاً، والتحريض غير مستساغ لدى الأمن العام، لكن لا بد أن نكون محرضين بالشكل الايجابي لتغيير مجتمعنا إلى ما هو أفضل، والإيمان يستدعي المغامرة واقتحام الحدود، وأن نكون في المقدمة، هذه مسؤوليتنا، وعلينا تحمل النتائج وأنا مهيأ تماماً لذلك، وأعرف انه في يوم من الأيام سأقول كلمتين لن تنالا الاعجاب، وسألملم أوراقي، وبشكل عام فالمغامرة ليست في الوقوف أمام وزارة الدفاع في العراق لأتلقى رصاصة من هنا أو هناك، هذه حماقة، إنما المغامرة الحقيقية في أن يقول الفرد رأيه الحقيقي وأمام السلطة وبلا خوف.

ومن تعليقاته: نجحت القنوات التلفزيونية في تغيير الشارع وفي الوقت ذاته أفسدت، فقناة الجزيرة نجحت في تنوير الشارع، وأيضاً أفسدت، إذ فتحت الأبواب وكسرت تابوهات، ورفعت سقف الحرية، ورفعت شأن العمل المهني في المجال الاخباري، لكنها أدخلت إلى بيوتنا الإسرائيليين للمرة الأولى وهي خطيئة لا تغتفر، إذ حاولت القيام بدور في التطبيع وأقحمت علينا داخل بيوتنا مسؤولين إسرائيليين ذوي أفكار ووجوه قميئة.

وأيضاً من تعقيباته: أميل إلى الاعتقاد بأن حرية الصحافة تشجع على الحريات الأخرى، وتساند بعضها بعضاً، والاعلامي الذي يسعى إلى حرية مهنته، لا بد أن يسعى إلى مزيد من الحريات الأخرى، لأن ذلك يدعمها، حيث إن هناك تفاعلاً بين الحريات بعضها بعضاً، خلاف ذلك أميل إلى أن يكون الصحافي متخرجاً في أية كلية ومن ثم يدرس الاعلام لمدة تقل على أربع سنوات، فرغم أن الميدان العملي هو الفيصل، إلا ان الدراسة مهمة أيضاً.

وأكد الاعلامي حمدي قنديل ان مسؤولية التعبير مهمة جداً والسؤال الأساسي الذي لم نجب عليه حتى الآن هو أنه ليس متاحاً في الوقت الحاضر حرية التعبير، فالحكومات متحكمة جداً في الحريات بشكل قيد حرية التعبير، لكن علينا كصحافيين أن نقوم بواجبنا ونمارس الحرية لأكبر قدر ممكن، لكن الحرية المسؤولة، لا بد أن نكون مستعدين أننا عندما نأخذ أكبر قدر من الحرية، فلا بد أن نسأل عن مسؤوليتنا، وهذا موضوع حرج وحساس ويختلف من فرد لآخر.

تريم رائد النضال القومي

في مستهل المحاضرة التي حضرها حشد من الإعلاميين، وأساتذة الفكر، أكد قنديل على أهمية الإلمام بالشؤون التكنولوجية لمصلحة الفكر الذي يمثل الرسالة الإعلامية، وقال: قررت التحدث من خلال إحدى الدورات التي ينظمها مركز تريم عمران ليس لأنه رائد من رواد الصحافة بل لكونه رائداً من رواد النضال القومي.

د. خالد عبدالله: قنديل لا يعترف بالحيادية

قدم للمحاضرة د. خالد عبدالله مستشار دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، مبيناً أنها تأتي ضمن سياق الموسم الخامس لمركز تريم عمران للتدريب والتطوير، الذي بدأ أوائل الشهر الجاري، ويستمر حتى نهاية شهر ابريل/نيسان المقبل، ويتضمن 11 دورة تدريبية تستغرق كل منها ستة أيام يقدمها أحد الاساتذة المختصين، أولها يقدمها د. محمد عايش، وتتضمن ورش عمل، ومحاضرات عامة.

وأثنى على الاعلامي المتميز حمدي قنديل قائلاً انه أتقن أصول المهنة، وأضفى المعرفة الصادقة والقيمة، وأضاف الجرأة في طرح القضايا، وطرح رأيه في الأحداث والمشكلات التي تؤثر في المجتمع، مشيراً إلى ان قنديل لا يعترف بالحيادية، لأن القضايا والأحداث عنده لا تنفصل عن نتائجها وعواقبها ومقدماتها. وأضاف: هناك البعض الذي يختار ألا يعطي رأيه في المشكلات أو غيرها، ويضعها في كبسولة تتضمن رأيه، فيما قنديل يواجه المشكلات مباشرة، ويرى ان في الحدث نتائج ومقدمات لا بد أن يكشف عنها صراحة دون مواربة، وله برامج مشهورة في مصر، منها برنامج أقوال الصحف ورئيس تحرير، وللمشاهدين ولع ببرنامجه قلم رصاص، ولقد أمضى حياته في مواقع متعددة ما بين كاتب ومقدم برامج ومستشار لدى بعض الدول، ومحاضر، وأيضاً عمل في مناصب دولية مختلفة.